في سابقة تاريخية، تمكنت
إيران بين 8 و11 يناير/كانون الثاني 2026 من تحقيق ما كان يُعتقد مستحيلاً: تعطيل
خدمة الإنترنت القادمة من شبكة الأقمار الصناعية الضخمة "ستارلينك" بشكل
شبه كامل، مما يشكل ضربة استراتيجية لنظام اتصالات اعتُبر محصناً في العقيدة
القتالية الغربية الحديثة.
بداية الأزمة: احتجاجات
وعزل رقمي
اندلعت الأزمة عقب
اضطرابات واسعة ومظاهرات حاشدة في إيران نتيجة انهيار العملة والأزمة الاقتصادية.
ردت الحكومة الإيرانية بقطع الإنترنت الأرضي والهاتفي عن العالم الخارجي، مع
الإبقاء على شبكة داخلية محدودة للمؤسسات الحكومية والمصارف. استجابة لذلك، قام
نشطاء ومتطوعون بتهريب ما بين 40 ألفاً إلى 100 ألف جهاز استقبال
"ستارلينك" إلى البلاد عبر الحدود مع كردستان العراق وعبر الخليج
العربي. اعتبر النظام الإيراني هذه الأجهزة أدوات تجسس وتهديداً للأمن القومي،
وتعامل مع الأمر من منظور عسكري مباشر.
نسف الاعتقاد الغربي
كان الاعتقاد السائد في
الأوساط الدفاعية الغربية أن شبكات الأقمار الصناعية ذات المدار الأرضي المنخفض
(مثل ستارلينك) محصنة إلى حد كبير ضد التشويش الأرضي، بفضل سرعتها الفائقة
وتقنياتها المتقدمة. لكن ما جرى عملياً في طهران ومشهد نسف هذه الفرضية تماماً.
لم يكن فشل الشبكة ناتجاً
عن نقص التغطية، فمنظومة "ستارلينك" تضم أكثر من 9000 قمر صناعي، يغطي
عدد كبير منها منطقة الشرق الأوسط معظم ساعات اليوم. السبب الجوهري تمثل في
الاستهداف المتعمد لـ "ميزانية الوصلة" (Link
Budget) عبر تشويش ضوضائي واسع النطاق.
آليات التشويش: هجوم
متعدد المحاور
1. التشويش الضوضائي الواسع (الطبقة الأولى)
تم تنفيذ هذا الهجوم
باستخدام معدات روسية متطورة، أبرزها منظومة "كراسوخا-4" المحمولة على
شاحنات، والتي شكلت حجر الأساس في العملية. تعمل هذه المنظومة على النطاق الترددي Ku-Band (من 10.7 إلى 12.7 غيغاهرتز) الذي تعتمد عليه "ستارلينك".
تقوم فكرتها على بث ضوضاء
عالية القدرة (تصل إلى الكيلوواط) دون الحاجة إلى فك تشفير إشارة
"ستارلينك". وبما أن إشارة القمر الصناعي تصل من مسافة 550 كيلومتراً
بقدرة ضعيفة جداً (نحو -110 ديسيبل ملي)، فإن أجهزة التشويش الأرضية قادرة على
التغلب عليها بسهولة، وإغراق مستقبلات المستخدمين بالضوضاء من مسافات تصل إلى
عشرات الكيلومترات. نشرت هذه الوحدات حول المدن الكبرى مشكلة ما يشبه
"طوقاً" من التداخل الكهرومغناطيسي.
2. استهداف نظام تحديد المواقع (GPS)
بالتوازي مع ذلك، استخدمت
القوات الإيرانية منظومة "مورمانسك" لاستهداف أحد الأعمدة الأساسية لعمل
"ستارلينك"، وهو نظام تحديد الموقع الجغرافي. أغرق هذا الهجوم ترددات GPS (النطاقين L1 وL5) بالضوضاء، مما أفقد أجهزة
"ستارلينك" القدرة على معرفة موقعها بدقة لحساب زوايا الاتصال بالأقمار
الصناعية المارة. مع فقدان إشارات GPS، أصبحت الأجهزة غير قادرة على
العمل من الأساس.
2. تشويش "الوصلة الصاعدة" نحو الأقمار نفسها
إلى جانب المعدات
الروسية، نشرت إيران منظومة محلية تعرف باسم "كوبرا"، يُعتقد أنها نتاج
هندسة عكسية أو تعتمد على تقنيات صينية. كان دورها التشويش على "الوصلة
الصاعدة" (Uplink)، حيث توجه حزمة طاقة عالية نحو
القمر الصناعي نفسه لتحميل مكبر الإشارة متخفض الضوضاء (LNA) داخله، ما يؤدي إلى خلق "فقاعة حجب" تتحرك مع القمر وتمنعه من
استقبال أي إشارات من المستخدمين تحته.
النتائج الكارثية: انهيار
الاتصال
أظهر التحليل التقني
لبيانات NetBlocks أن نسبة فقدان حزم
البيانات بلغت نحو 80% في 10 يناير، وهو مستوى كارثي يؤدي إلى انهيار بروتوكولات
الإنترنت التقليدية مثل TCP التي تستمر في طلب إعادة إرسال البيانات المفقودة، مما
يجعل السرعة الفعلية شبه معدومة. كما حرم هذا الوضع الأجهزة من الحفاظ على التواصل
مع الأقمار الصناعية، فأصبحت تضطر إلى الانفصال والبحث المتكرر عن قمر بديل، في
حلقة مفرغة.
لماذا نجح الهجوم في
إيران وفشل مثيله في أوكرانيا؟
يرجع الفارق الكبير بين
نجاح "ستارلينك" في أوكرانيا وفشله في إيران إلى أسباب واضحة:
·
في أوكرانيا: كان المستخدمون (خاصة القوات العسكرية) متحركين، ويحظون بدعم تقني مباشر من
الجيش الأمريكي. كما أن روسيا كانت مترددة في استخدام تشويش واسع النطاق خشية
التأثير على اتصالاتها الخاصة.
·
في إيران: كان المستخدمون المدنيون ثابتين داخل المدن، واستخدمت الحكومة أقصى قدر من
التشويش دون الاكتراث بتعطيل أي اتصالات أخرى، فضلاً عن غياب أي دعم عسكري أو تقني
خارجي يحمي المستخدمين.
تداعيات استراتيجية: دروس
للمستقبل
دفعت هذه التجربة دولاً
مثل الصين إلى دراسة السيناريو تمهيداً لتطبيقه في حال نشوب صراع مع تايوان. وتشير
الدراسات الصينية إلى إمكانية استخدام شبكات من الطائرات المسيرة تحلق فوق السحب
ونحت الأقمار الصناعية لتشكيل طبقة عازلة تمنع الاتصال بالكامل.
يمثل هذا التطور تحدياً
خطيراً للجيش الأمريكي، الذي بات يعتمد في عقيدته القتالية الحديثة على الأقمار
الصناعية لأغراض الاتصال والملاحة والاستهداف – وهي منظومات أثبتت تجربة إيران
إمكانية تعطيلها.
الخلاصة: لا يوجد سلاح
مطلق
في المحصلة، أثبتت أحداث
يناير 2026 في إيران حقيقة عسكرية أساسية: لا يوجد ما هو مستحيل، ولا يوجد سلاح
مطلق لا يُقهر. الأهم هو المتابعة المستمرة، والتعلم من كل تجربة، والاستعداد
الدائم لما هو قادم في ساحة المعركة الحديثة التي تتطور تقنياتها بمعدلات مذهلة. لقد
كسرت إيران أسطورة "الحصانة التقنية" لشبكات الاتصال الفضائية، وفتحت
الباب أمام سباق جديد بين تقنيات الاتصال المتقدمة وأساليب الحرمان منها.






















0 Comments