حلقة الوصل بين
السماء والأرض في حرب العراق على الإرهاب
في خضم المعارك الضارية التي
خاضتها القوات العراقية لتحرير مدنها من قبضة تنظيم داعش، برز دور نوعي وحاسم غير
تقليدي على ساحات القتال: دور المسيطر الجوي التعبوي، أو ما يعرف اختصاراً بـ (JTAC). هؤلاء الضباط والمنتسبون من نخبة جهاز مكافحة الإرهاب، يمثلون
الحلقة الذهبية التي تربط المقاتل على الأرض بالطيار في السماء، ليحولوا الضربات
الجوية إلى فن دقيق ينقذ الأرواح قبل أن يدمر الأهداف.
فن السيطرة الجوية في أخطر
الظروف
لم تكن مهمة المسيطر الجوي
التعبوي مجرد توجيه طائرة نحو هدف، بل هي عملية معقدة تجري في بيئة شديدة الخطورة،
خاصة في معارك المدن والأزقة الضيقة. كانت المسافات الفاصلة بين القوات العراقية
وعناصر داعش لا تتجاوز أمتاراً معدودة، وفي تلك الظروف، كان عنصر الـ JTAC يحسب بدقة نوع الذخيرة وزاوية الإصابة ونطاق الانفجار، ثم ينسق
باللغة الإنجليزية العسكرية وفق رموز الناتو المختصرة مع الطيارين، لإصابة الهدف
بدقة متناهية مع الحفاظ على أرواح المقاتلين والمدنيين.
يتطلب هذا المستوى من الدقة
استخدام منظومات متطورة، تأتي في مقدمتها منظومة التعيين بالليزر SOFLAM AN/PEQ-1C، التي تسمح للقنابل الذكية مثل JDAM بالوصول إلى نقطة الإصابة بدقة كبيرة. ومن الأدوات المحورية الأخرى
التي غيرت قواعد اللعبة، منظومة ROVER، التي تتيح للمسيطر
الجوي مشاهدة الصورة الحية نفسها التي يشاهدها الطيار أو طائرة الاستطلاع، مما
يقلل احتمالات الخطأ في تحديد الأهداف إلى أدنى مستوى، ويجعل التنسيق أكثر فعالية
وحسمًا.
مراحل العمل الميداني
تبدأ رحلة الضربة الدقيقة برصد
الهدف باستخدام المناظير الحرارية وأجهزة تحديد المدى العسكرية، ثم يتم فتح قنوات
اتصال عسكرية مشفرة ومباشرة مع الطيارين. تأتي اللحظة الحاسمة عند توجيه الذخائر
الذكية بواسطة تقنية التحديد بالليزر، وإرسال الإحداثيات الدقيقة عبر منظومات
رقمية وخرائط عسكرية مرتبطة بالأقمار الصناعية.
أما الإذن بتنفيذ الضربة،
والمعروف بالرمز العسكري "Cleared
Hot"، فيمنح وفق ثلاثة أنماط رئيسية:
- النوع الأول:
عندما
يشاهد المسيطر الهدف والطائرة بصورة مباشرة.
- النوع الثاني:
عندما
يعتمد على وسائل الاستطلاع والكاميرات الحرارية لتوجيه الطيار.
- النوع الثالث:
في
المعارك واسعة النطاق، حيث يسمح للطيران باستهداف عدة أهداف ضمن منطقة محددة
مع الحفاظ الكامل على سلامة القوات الصديقة.
بناء الكفاءة القتالية
لا يصل إلى هذا الاختصاص إلا
نخبة الضباط والمنتسبين بعد اجتياز برامج تدريبية متقدمة تشمل قراءة الخرائط
العسكرية، وإدارة الإحداثيات الجوية، والعمل تحت الضغط، والتنسيق المباشر مع طياري
القوة الجوية وخلايا الاستهداف، فضلاً عن إتقان اللغة الإنجليزية العسكرية والمصطلحات
العملياتية المستخدمة في الاتصالات الجوية.
كما يخضع المرشحون لاختبارات
نفسية دقيقة، ودورات مشتركة تحاكي مختلف السيناريوهات القتالية، بما فيها عمليات
البحث والإنقاذ القتالي خلف خطوط العدو. هذه الكفاءات المتراكمة هي ما ميز
المسيطرين الجويين العراقيين وجعلهم قادرين على الأداء بأعلى مستويات الاحترافية
في أصعب الظروف الميدانية.
ملحمة الميدان
خلال معارك التحرير، كان
للمسيطر الجوي دور بارز في تغيير مسار المعركة، ومن أبرز واجباته:
- رصد العجلات المفخخة وتوجيه الطيران
لتدميرها قبل وصولها إلى القطاعات المتقدمة.
- استهداف أوكار تنظيم داعش وتجمعات
القناصين داخل المدن بواسطة ذخائر دقيقة تقلل الأضرار الجانبية وتحافظ على
أرواح المدنيين.
- مراقبة مفارز النخبة في عمليات التسلل
والإنزال الليلي، وتوفير الغطاء الجوي لاستهداف مراكز القيادة ومستودعات
الأسلحة وتأمين انسحاب القوات.
- منع النيران الصديقة عبر مراقبة تحركات
القطاعات بصورة مستمرة، وعدم السماح بتنفيذ أي ضربة قبل التأكد الكامل من
سلامة القوات العراقية.
- إسناد القطاعات المحاصرة، وتنسيق الضربات
الجوية لفتح ممرات آمنة وكسر محاولات التطويق من قبل العناصر الإرهابية، مع
توفير غطاء ناري متواصل حتى استعادة زمام المبادرة.
إرث الاحتراف
برزت كفاءة المسيطرين الجويين
بصورة استثنائية في معارك المدن، ولا سيما داخل الأزقة الضيقة، حيث كانت المسافات
الفاصلة بين القوات العراقية وعناصر التنظيم لا تتجاوز أمتاراً معدودة. في تلك
الظروف، كان عنصر JTAC يحسب تأثير الذخيرة ونطاق
الانفجار وزاوية الإصابة، ثم ينسق باللغة الإنجليزية العسكرية وفق رموز الناتو
المختصرة مع الطيارين، لإصابة الهدف بدقة مع الحفاظ على أرواح المقاتلين
والمدنيين، مما جعل هذه المهمة نموذجاً متقدماً للتكامل العملياتي بين الأرض
والسماء.
جسّد المسيطر الجوي التعبوي
العراقي نموذجاً متقدماً للتكامل بين الأرض والسماء، وأسهم بخبرته واحترافيته في
توظيف القوة الجوية بأقصى درجات الدقة والكفاءة، ليكون أحد أهم العوامل التي دعمت
نجاح العمليات العسكرية، وحفظت أرواح المقاتلين، وسرّعت من استعادة الأرض ودحر
تنظيم داعش الإرهابي.
إن إرث هؤلاء الضباط النخبة
سيظل محفوراً في ذاكرة معارك التحرير، شاهداً على أن الانتصار الحقيقي لا يتحقق
بالقوة الغاشمة وحدها، بل بالدقة والتخطيط والقدرة على اتخاذ القرار الصحيح في
اللحظة الحاسمة، وهم على بعد أمتار من العدو، وقلوبهم معلقة بالسماء.






















0 Comments